فصل: مسألة يسلف الناس في السلع ويزعم أنه إنما يشتري جميع ذلك لفلان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة شراء ما على الغائب:

وقال أصبغ: ولا بأس باشتراء ما على الغائب وإن لم يحضر إذا كانت غيبته قريبة وعرف مكانه وصحته وملاؤه ولا بأس باشتراء ما عليه وإن لم يحضر.
قال محمد بن رشد: مثل هذا لابن القاسم في سماع موسى بن معونة الصمادحي من كتاب المدبر، ولم يشترط في جواز ذلك أن يكون على الدين بينة، فقيل معنى ذلك إذا كانت على الدين بينة، وهي رواية داود بن سعيد عن أبي زيد عن مالك، وقيل: إن ذلك على ظاهر قولهما وإن لم يكن على الدين بينة، وذلك كله خلاف لما في غير ما موضع من المدونة من أنه لا يجوز شراء ما على الرجل من دين إلا أن يكون حاضرا مقرا، وقد سقط من بعض المواضع فيها، مقرا، وثبوته يقضي على سقوطه، وسقط أيضا في بعض الروايات في شراء الكفيل ما على الذي تحمل عنه، فقيل: إنه فرق في هذه الرواية بين شراء الكفيل ما تحمل به من الدين وبين شراء الأجنبي ذلك، فأجاز ذلك للكفيل وإن لم يعلم إقراره لأنه مطلوب بالدين ولو أنكر لزمه الغرم، فكأنه إنما اشترى دينا على نفسه لكونه مطلوبا به، وقيل: الرواية بثبوته تقضي على سقوطه، ولا فرق بين الكفيل والأجنبي في هذا وهو الأظهر، إذ قد تكون الحمالة بعد العقد فلا يلزم الحميل شيء إلا بعد إثبات صاحب الدين دينه، وهو أيضا قبل الأجل غير مطلوب بحال، وبعد الأجل قد لا يطلب. فوجه ما في المدونة من اشتراط حضوره وإقراره وهو المشهور في المذهب هو أن شراء ما عليه من الدين لا يجوز إلا بنقد الثمن، فهو لنقد الثمن ولا يدري هل يتم له ما اشترى أو يرجع إليه ماله، فمرة يكون بيعا ومرة يكون سلفا. ووجه ظاهر قول أصبغ وما في سماع موسى من أن شراء ما عليه جائز وإن لم يحضر ولا كانت عليه بينة هو أن الأمر محمول على الصحة من أن البائع صدق فيما زعم أن له عليه من الدين الذي باعه وأن الذي عليه الدين لا ينكر، فلا يتلفت ما يطرأ بعد من إنكاره. ووجه رواية أبي زيد عن مالك أن البينة ترفع علة الإنكار وإن كان لا يؤمن أن يسقط الدين عن نفسه بتجريح البينة أو إقامة بينة على القضاء فشيء أمر من شيء. ولو قال الرجل للرجل: لي على فلان كذا وكذا فأنا أبيعه منك بكذا وكذا فإن أنكرك صرفت إليك الثمن لم يجز باتفاق، ولو قال الرجل للرجل يعني دينك الذي لك على فلان وأنا أعلم وجوبه لك عليه وإقراره به لك فباعه منه لجاز باتفاق، وإن أنكره بعد كانت مصيبة دخلت عليه، وأما شراء الدين على الميت فلا يجوز باتفاق، وقد مضى ذلك والقول عليه في رسم القبلة من سماع ابن القاسم من كتاب السلم والآجال.

.مسألة اشترى طعاما بعينه وسأل رجل المشترى أن يوليه الطعام فولاه:

وسئل أصبغ عن رجل اشترى طعاما بعينه كذا وكذا إردبا وسأل رجل المشترى أن يوليه الطعام فولاه وبائع الطعام غائب لم يحضر حين ولاه المشترى، قال: لا يجوز ذلك عندي إلا بحضور بائع الطعام، وليس الطعام في هذا مثل السلع من غير الطعام؛ لأن الطعام يدخله في هذا بيع قبل استيفاء قبضه قال: ولا بأس أن يولي سلعة له على رجل اشتراها منه بعينها والذي هي عليه غائب إذا كانت غيبته قريبة كما وصفت وعرف موضعه وصحته وملاؤه.
قال محمد بن رشد: جعل مغيب بائع الطعام الذي عنده الطعام كمغيب الطعام، إذ لا يقدر على قبض الطعام حتى يقدم الذي هو عنده الطعام كما لا يقدر على قبض الطعام الغائب حتى يخرج إليه، فإذا كان في حكم الطعام الغائب لم يجز فيه النقد كما لا يجوز في السلع الغائبة، وإذا لم ينقد المولي في الطعام كما نقد المولى دخله بيع الطعام قبل أن يستوفى كما قال، إذ لا يجوز لمن اشترى طعاما بثمن نقدا أن يوليه أحدا بثمن إلى أجل، فهذا وجه ما ذهب إليه أصبغ في هذه المسألة، وقد مضى في التولية من الطعام الغائب في سماع يحيى من كتاب المرابحة ما فيه دليل على هذه المسألة.

.مسألة اشترى أرضا شراء فاسدا فقبض الأرض فغرس حولها أشجارا:

وسئل عن رجل اشترى من رجل أرضا شراء فاسدا فقبض الأرض فغرس حولها أشجارا من تين وزيتون حتى أحاط بالأرض غير أن جلها وأكثرها بياض لم يحدث فيه شيئا فهل تراه فوتا؟ قال: نعم أراه فوتا إذا كانت الشجر قد أحاطت بالأرض كلها وعظمت فيها المؤونة وكان لها بال فأرى الأرض على مشتريها بقيمتها، قيل: فإن كان غرس ناحية منها وجل الأرض بياض كما اشتراها؟ قال: أرى أن يفسخ البيع وترد الأرض البيضاء الكثيرة إلى ربها وتكون الناحية التي غرس فيها فائتة بغراسته، وهي عليه بقيمتها، قلت: فإن كان الذي غرس منها شيئا يسيرا لا بال له؟ قال: أرى فسخ البيع في جميعها ويكون للمشتري الغارس على البائع قيمة غرسه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة حسنة قوله فيها بين وتفصيله فيها صواب لأن الغرس في الأرض فوت في البيع الفاسد، فإذا أحاط الغرس بها وعظمت المؤونة فيه وجب أن يكون فوتا لجميعها وإن كان جلها بياضا، وإذا كان الغرس بناحية منها وجلها لا غرس فيه وجب أن يفوت منها ما غرس ويفسخ البيع في سائرها، إذ لا ضرر على البائع في ذلك إذا كان المغروس من الأرض يسيرا مما لو استحق من يد المشتري في البيع لزمه الباقي ولم يكن له أن يرده، ووجه العمل في ذلك أن ينظر إلى الناحية التي فوتها بالغرس ما هي من جميع الأرض، فإن كانت الثلث أو الربع فسخ البيع في الباقي بثلثي الثمن أو ثلاثة أرباعه فسقط عن المبتاع إن كان لم يدفعه ورد عليه إن كان قد دفعه وصحح البيع في الناحية الفائتة بالقيمة يوم القبض، فمن كان له منهما على صاحبه فضل في ذلك رجع به عليه، إذ قد تكون قيمة تلك الناحية أقل مما نابها من الثمن وأكثر، وقد قيل: إن البيع يفسخ في الأرض كلها فيبطل عن المبتاع جميع الثمن إن كان لم يدفعه ويرد إليه جميعه إن كان قد دفعه ويكون عليه قيمة الناحية التي فوت بالغرس بالغة ما بلغت، وهذا القول قائم من الدمياطية لابن القاسم، والأول هو القياس. وقال في الدمياطية: وسئل ابن القاسم عمن اشترى قصبا فنقد بعض الثمن والنصف الباقي شرط فيه إذا كسر نصف القصب وزيادة فدانين على النصف، فلما كسر نصف القصب لزمه بقية الثمن ولم ينتظر به إلى أن يكسر الفدانين، قال: هذا بيع فاسد من أوله، فعليه قيمة ما كسره يوم اشتراه، ويفسخ ما بقي مما لم يكسر، قيل: لم لا يقسم الثمن على الجميع؟ قال: ليس هو كذلك إنما في البيع الحرام وجهان: إن كان عرضا فله قيمته، وإن كان طعاما فله مثله ومكيلته إلا أن يكون طعاما لا يقدر على معرفة مثله بأن لا يعرف ذلك فعليه القيمة مثل العروض، وهذا الاختلاف إنما يرجع إلى هل يكون على المبتاع قيمة الموضع الذي فوته بالغرس لو بيع منفردا أو هل يكون عليه ما وقع عليه من قيمة الأرض كلها لو بيع معها؟ وذلك يختلف، إذ قد تكون قيمة ذلك الموضع في التمثيل على الانفراد عشرة، ومع جملة الأرض عشرين إذ قد تساوي الأرض دون ذلك المجمع تسعين ويساوي ذلك الموضع دون سائر الأرض عشرة، ويساوي بجميع الأرض جملة مائة وعشرين. وقوله: وإذا كان الغرس شيئا يسيرا لا بال له فسخ البيع في جميعها ويكون للمشتري الغارس على البائع قيمة غرسه، هو مثل ما مضى من قول مالك في أول رسم من سماع أشهب في البنيان اليسير في الحائط المبيع بيعا فاسدا، إلا أنه قال هناك: يكون على رب الحائط ما أنفق المبتاع في البنيان، وقال هنا: إنه يكون للمشتري على البائع قيمة غرسه، فمعنى ذلك أنه يكون عليه قيمة الغرس مقلوعا يوم جاء به وغرسه وما أنفق في غرسه أو قيمة ما أنفق فيه على حسب ما مضى القول فيه من سماع أشهب المذكور، وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى دارا بكل ما فيها وكل حق هو لها فهدم المشتري الدار إلا حائطا:

وسئل عن رجل اشترى من رجل دارا بكل ما فيها وكل حق هو لها فهدم المشتري الدار إلا حائطا واحدا، فلما أراد هدمه منعه جاره وقال: هو لي وأقام على ذلك بينة أنه له، قال: لا شيء للمشتري فيه، قال السائل: فإنه يقول للبائع: احلف لي أنك لم تبعني هذا الحائط فيما بعتني، قال: ليس عليه يمين إلا أن يدعي أنه باعه ذلك الحائط بنفسه وينكر ذلك البائع فإن له عليه اليمين في ذلك. وأما قول المشتري إني اشتريت منك جميع الدار وإن هذا الحائط ليس من الدار فليس عليه بذلك يمين لأنه إنما باعه كل حق كان للدار، فهذا ليس من حقها.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال: لأن الرجل إذا باع الدار بجميع حقوقها فلا يقع البيع على جدراتها الأربع إلا أن يشترط ذلك، وإنما يقع على ما كان منها من حقوقها، فإذا وجد شيئا منها ليس من حقوقها لم يكن له بذلك على البائع قيم إذ لم يبعه إلا ما كان من حقوقها، وإنما جاز هذا البيع ولم يكن غررا لأنه يتبين بالنظر إليها ما هو من حقوقها مما ليس من حقوقها، فقد دخل المبتاع على معرفة فيما اشترى. ولو أثبت رجل من جيرانه في بعض حيطان الدار أنه له ماله وملكه والظاهر فيه مما يدل عليه العيان أنه من دار المشتري لكان له الرجوع بذلك على البائع. فمعنى قوله في المسألة منعه جاره وقال: هو لي وأقام على ذلك بينة أنه له معناه أنه أقام بينة تشهد له أنه من حقوق داره، ولو أقام البينة أنه له بشراء أو هبة وما أشبه ذلك مما يحق له ملكه والظاهر بدليل العيان أنه من دار المشتري لكان له الرجوع بذلك على البائع.

.مسألة تكون له العرصة فيبيع صاحبها أسفلها وكان صب الماء إلى ذلك الأسفل:

وسئل عن الرجل تكون له العرصة فيبيع صاحبها أسفلها وكان صب الماء إلى ذلك الأسفل فلم يذكرا هجر الماء عند بيعها فبنى المشتري فجعل في جداره كوة فجرى الماء عليها أشهرا ثم سد الكوة وقال: إن المجرى ليس علي، وكيف إن ترك الماء يجري سنة وسنتين ثم سد الكوة وقال: إن المجرى ليس علي؟ وكيف إن ترك الماء يجري سنة وسنتين ثم سد الكوة ولم يشترط عليه البائع مجرى ماء؟ قال أصبغ: إذا علم بذلك قبل أن يسلم لشيء رأيت أن يصرف عنه ولا يلزمه إلا أن يكون من الأمور الظاهرة التي تعرف ويعرفها المشتري أن لا معدل لها وأن الماء منصب إليها لابد له منه ولا مصرف له على الوجوه كلها بأسبابها فأراه إذا كان كذلك كالمشتري عليها وكالشروط وإلا فلا، وأما إن كانوا على غير ذلك فأقروه سنة أو سنتين كما ذكرت فلا أرى ذلك يلزمه ولا يوجب عليه بعد أن يحلف بالله ما كان رضا للأبد ولا تسليما ولا على حق للبائع قد عرفه أو رضي به أو اشترطه بينه وبينه ثم يصرف عنه إذا حلف إلا أن يطول زمان ذلك جدا لمثل وقت الحيازات للأشياء وهو مسلم راض غير نافر ولا طالب ولا دافع ولا منكر إلا ساكتا على التسليم وإنه حق لصاحبه فيما يرى منه يختار ذلك عليه فذلك وجوبه ولا أرى له بعد ذلك دعوى ولا تبعة.
قال محمد بن رشد: ليس المجرى شيئا أحدثه البائع على المبتاع بعد البيع، وإنما هو شيء قديم من قبل البيع كان الماء ينصب من أعلى العرصة إلى أسفلها فباع منه الأسفل ولم يبين عليه أن ماء أعلى عرصته يجري عليه على ما كان فرأى من الحق للمبتاع على البائع أن يقطع عنه مجرى الماء إذ هو عيب من قبله لم يتبرأ إليه به إلا أن يكون كما قال أمرا ظاهرا لا يخفى أن الماء منصب إليها ولا معدل له عنها فيلزم ذلك المشتري كما لو اشترطه عليه البائع. وقد قيل إنه إذا لم يشترط ذلك عليه البائع ولا كان أمرا ظاهرا فليس له أن يسده عليه، وهو عيب فيما ابتاع إن شاء أن يمسك أمسك، وإن شاء أن يرد رد، روي ذلك عن ابن القاسم وسحنون، وهو على ما في كتاب الكفالة من المدونة في الذي بيع عبده وله عليه دين لم يعلم به المشتري أنه لا يسقط عنه ويكون عيبا به إن شاء أمسك وإن شاء رد، ويأتي قول أصبغ على ما في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم وعلى ما في رسم لم يدرك من سماع عيسى من كتاب العيوب، وقد مضى القول على ذلك في الموضعين. ولما قال: إن من حق المبتاع أن يسد المجرى على البائع حكم له بحكم ما لو أحدثه عليه بعد الشراء فقال: إنه إن قام بقرب ذلك كان له أن يسده، وإن لم يقم إلا بعد السنة والسنتين لم يكن ذلك له إلا بعد يمينه، وإن سكت إلى مثل وقت الحيازات في الأشياء عد ذلك منه رضا ولزمه. وقد اختلف في حيازة الضرر المحدث فقيل: إنه لا يحاز أصلا، وإلى هذا ذهب ابن حبيب، وقيل: إنه يحاز بما تحاز به الأملاك العشرة الأعوام ونحوها، وهو قول أصبغ هذا، وقد روى عنه أنه لا يحاز إلا بالعشرين سنة ونحوها، وكان ابن زرب يستحسن في ذلك خمسة عشر عاما، وروي ذلك عن ابن الماجشون، وقال سحنون في كتاب ابنه: إنه يحاز بالأربع سنين والخمس لأن الجار قد يتغافل عن جاره فيما هو أقل من ذلك السنة والسنتين، وقد قيل: إن ما كان ضرره على حد واحد فهو الذي يحاز بالسكوت عليه، وما كان يتزايد أبدا كالمطر إلى جانب الحائط وشبه ذلك فلا حيازة فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى شاة فذهب المشتري ليأتي بالثمن فباعها البائع من غيره:

وسئل عن رجل اشترى شاة فذهب المشتري ليأتي بالثمن فخالفه البائع فباعها من غيره، ثم إن المشتري الأول لقي المشتري الثاني ومعه تلك الشاة فنازعه فيها فماتت الشاة في أيديهما، المصيبة ممن هي؟ قال أصبغ: الضمان عليهما جميعا إن كان موتها منهما جميعا أو بأيديهما جميعا، فإن صحت الشاة للثاني غرم له هذا نصف القيمة، وإن صحت للأول فالثاني يغرم له ويرجع على بائعه بما دفع إليه.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة معناها أن البائع مقر أنه باعها من أحدهما بعد الآخر ويدعي كل واحد منهما أنه هو الأول، فقوله فيها فإن صحت الشاة للثاني غرم له هذا نصف القيمة صحيح؛ لأنه لما نازعه فيها فماتت بأيديهما كان قد استهلك له نصفها فوجبت عليه قيمته، وتصح له الشاة بأحد وجهين: إما بأن لا يكون لواحد منهما بينة على أنه هو الأول فيحكم بينهما أن يحلف كل واحد منهما أنه هو الأول وتكون بينهما، أو ينكل الأول عن اليمين ويحلف الثاني فتصح له بيمينه مع نكول الأول؛ وإما أن يقيم الثاني بينة أنه هو الأول ولا يكون للأول بينة على أنه هو الأول، فإذا صحت الشاة إلى الثاني بأحد هذين الوجهين كان له على الأول نصف قيمتها كما قال لاستهلاكه إياه، ويرجع الأول على البائع بالثمن الذي دفع إليه إن كان قد دفعه إليه وبما زادت قيمتها أو الثمن الذي باعها به من الثاني على ثمنه هو لأنه استهلك الشاة عليه بعد أن باعها منه ببيعه إياها من الثاني، وإن صحت الشاة للأول بأحد هذين الوجهين قيل له قد قبضت نصفها الذي قتلته، وأنت مخير بالنصف الثاني الذي قتله المبتاع الثاني بين أن تجيز البيع فيه فتأخذ الثمن أو تأخذ قيمته ممن شئت منهما إن شئت من البائع وإن شئت من المبتاع الثاني الذي قتله، فإن أخذت قيمته من البائع رجع البائع بذلك على المبتاع الجاني، وإن أخذت قيمته من المبتاع لم يكن له بذلك رجوع على أحد لأنه هو الجاني، ويرجع المبتاع الثاني على البائع الأول بنصف الثمن الذي دفع إليه للنصف الذي قتله المشتري الأول.

.مسألة يسلف الناس في السلع ويزعم أنه إنما يشتري جميع ذلك لفلان:

وسئل عن رجل يسلف الناس في السلع أو يشتري سلعا بعينها ويزعم أنه إنما يشتري جميع ذلك لفلان رجل غائب بماله أمره بذلك ويكتب في اشتريته هذا ما اشترى فلان ابن فلان بماله، وكيف إن قال: أمرني فلان أن أشتري له بهذه المائة كذا وكذا ويشتري بها وينقدها، ثم يأتي الذي زعم أنه أمره بذلك فينكر ويريد أخذ المال من البائع، أترى ذلك له؟ وهل يفترق عندك إن قال: أمرني أن أشتري له بهذا المال بعينه أو قال: أمرني أن أشتري له بماله فاشترى ونقد المشتري ما يسر أو ما عسر وقبض ما اشترى له فاستهلكه أو هو قائم لم يقبضه حتى قام فأنكر أن يكون أمره باشتراء شيء من الأشياء؟ قال أصبغ: هما سواء، ولا سبيل له على البائع، وسبيله على المشتري بإقراره على نفسه يأخذ ما اشترى له أو يضمنه ماله المسمى ويتبعه إن استهلكه ولم يجد له مالا، ولا سبيل له على البائع على حال؛ لأن ذلك إنما هو دعوى من المشتري المقر فلا تعدوه دعواه على نفسه ولا يضر غيره والبائع لم يصدقه ولم يبعه على ذلك شرطا إنما يبيع على قوله كما يبيع الناس، فهو المشتري وهو المبتاع حتى يصدقه قبل البيع لذلك ويبيعه عليه بتصريح من البائع أو إقرار أو بينة تقوم بعد ذلك أن أصل المال لفلان هذا المال بعينه الذي اشترى به ونقد وإلا فلا.
قال محمد بن رشد: قول أصبغ إن المشتري ضامن للمال وإنه ليس لرب المال على البائع في المال سبيل هو نحو قول ابن القاسم في المدونة في الذي أمر رجلا أن يسلم له دراهم في ثوب هروي فأسلمها له في بساط شعر إنه إنما يرجع على المأمور. وقوله: إن البائع إذ باع بتصريح وإقرار أن الشراء للمشترى له، وأن المال ماله أو قامت له بينة على المال بعينه إن له أن يأخذ ماله منه بالوجهين جميعا بين على ما قاله، والتصريح أن يبين المشتري على البائع أنه لا يشتري لنفسه وإنما يشتري لفلان ويكتب في كتاب الشراء: اشترى فلان لفلان بماله وأمره وعلم البائع بذلك أو صدق المشترى فيه فإن أخذ المشترى له ماله من البائع ببينة قامت له عليه بعينه أو بتصريح وقع أن الشراء كان له انتقض البيع في إقراره إن الشراء كان له وإن المال ماله ولم ينتقض في قيام البينة أن المال ماله ورجع على المشتري بمثل الثمن ولزمه البيع لأنه استحقاق للثمن، واستحقاق الثمن إذا كان عينا لا يوجب نقض البيع، ويشبه أن يقال على القول بأن العين لا يتعين، وهو قول أشهب وأحد قولي ابن القاسم في المدونة إنه لا سبيل له على البائع في المال إذا قامت له بينة عليه بعينه والمشترى منه. وقد حكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون أن القول قول المشترى له مع يمينه يحلف ما أمر المشتري بالشراء ويأخذ ماله إن شاء من المشتري وإن شاء من البائع، فإن أخذه من البائع كان للبائع أن يرجع على المشتري ويلزمه الشراء، وإن أخذه من المشتري لم يكن له أن يرجع به على البائع ويرد له ما اشترى منه. ومن اشترى من رجل شيئا فإن أراد أن يكتب في كتاب شرائه: هذا ما اشترى فلان لفلان بماله وأمره لم يلزم البائع أن يشهد له بذلك لأن ذلك وإن لم يقتض تصديق البائع له بأن الشراء لفلان وأن المال ماله ولا أوجب للمشتري له رجوعا عليه إن جاء فأنكر على مذهب ابن القاسم وأصبغ ما لم يصرح فيقول بعلم البائع أو بتصديق المشتري على ما ذكر من ذلك، فمن حجته أن يقول أخشى أن يأتي فيدعي علي أني علمت بذلك وصدقته في قوله فتلزمني اليمين أو الحكم له بالرجوع على مذهب ابن الماجشون.

.مسألة يبيع العبد أو الجارية وينتقد ويدفع ما باع:

قيل لأصبغ: الرجل يبيع العبد أو الجارية وينتقد ويدفع ما باع، ثم أتى إلى المشترى يستقيله، فيقول المشتري: إن جئتني بالثمن فيما بينك وبين الشهر أو سنة فقد أقلتك أو لا يوقت شيئا إلا أنه يشترط له متى ما أتاه بالثمن فالسلعة سلعته هل ترى هذا جائزا وتجعله شرطا لازما؟ فإن رأيت هذا جائزا فهل يجوز له مسيس الجارية وقد ألزم نفسه هذا الشرط ويكون موسعا عليه في البيع يبيع إن شاء؟ وكيف إن جعل هذا الشرط له، ثم فوت ما اشترى بعد ذلك الشرط باليوم ونحوه مما يتبين أنه أراد قطع الشرط والرجوع عنه؟ قال أصبغ: إذا صح الأصل في المبايعة على غير اعتزاء النقد ولا توطئة ولا مواعدة ولا مراوضة فذلك جائز حلال لا بأس به لأن في كل شيء من السلع والحيوان ما عدا الفروج فلا أرى أن يجوز فيه الشرط الذي جعل له، ولا ينبغي ولا يجوز لهما العمل عليه إلا أن يكون له وجه أن يجعل ذلك في الجارية إلى استبرائها وحده ونحوه مما لا سبيل له فيه إلى الوطء فيجوز، وما كان على غير ذلك فأرى أن يبطل إلا أن يدركها بحرارتها على نحو هذا من الأمور التي لم يخل عليها المشتري ولم يمكن فينفذ له وإلا فلا. وأما إهمالهم في السلع غير الفروج هذا الشرط بلا وقت فذلك لازم، وذلك ما أدركها في يده ولم تخرج من يديه ولا من ملكه، فإن خرج سقط أيضا. وإن وقت كالذي سألت عنه من السنة وغيرها فليس له أن يخرجها من يده ولا يحدث فيها شيئا يقطع ذلك ما بينه وبين وقته الذي جعل على نفسه.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله إن العقد إذا سلم من الشرط وكان أمرا طاع به بعده على غير رأي ولا مواطأة فذلك جائز لا بأس به؛ لأنه معروف طاع به وأوجبه على نفسه لا مكروه فيه ما عدا جارية الوطء إذ لا يجوز للرجل أن يطأ جارية قد أوجب على نفسه فيها شرطا لغيره. والأصل في ذلك قول عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لعبد الله بن مسعود في الجارية التي ابتاعها من امرأته واشترطت عليه أنك إن بعتها فهي لي بالثمن وسأله عنها: لا تقربها وفيها شرط لأحد، وقد قيل معنى لا تقربها أي لا تشترها وفيها شرط لأحد؛ وقول عبد الله بن عمر: لا يطأ الرجل وليدة إلا وليدة إن شاء باعها وإن شاء أمسكها وإن شاء صنع بها ما شاء، وأما ما عدا جواري الوطء فذلك جائز لأنه معروف، والمعروف عند مالك لازم لمن أوجبه على نفسه، فإن كان له أجل لزم إلى أجله، ولم يكن للمشتري أن يفوته قبل الأجل، وإن لم يكن له أجل فذلك له لازم ما لم يفوته، يريد إلا أن يفوته بفور ذلك مما يرى أنه أراد به قطع ما أوجبه على نفسه. وقد مضى في أول سماع أشهب القول في هذا الشرط إذا كان في أصل العقد فلا وجه لإعادته.

.مسألة يبيع الحائط وفيه تمر قد أبر:

قال مالك في الرجل يبيع الحائط وفيه تمر قد أبر فيقول البائع للمشتري: اسق النخل، فيقول المشتري: ليس ذلك علي، فيختلفان في السقي على من ترى السقي؟ قال: أراه على البائع الذي له الثمن وليس على المشتري شيء..
قال محمد بن رشد: هذا كما قال؛ لأن التمر باق على ملك البائع بقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «من باع نخلا قد أثرت فتمرها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع» فوجب أن يكون سقيها عليه إن أراد أن يسقيها ولا يكون ذلك على المبتاع، إذ لا حق له في الثمرة ولا هو بائع لها فيلزمه سقيها. وقد روي عن المخزومي أنه قال: السقي على المشتري لأنه يسقي نخله فتشرب ثمرة هذا، وهو بعيد، إذ من حقه أن يقول: أنا لا أريد أن أسقي نخلي، والذي يوجبه القياس والنظر أن يكون السقي عليهما لأن فيه منفعة لهما لا يمكن أن يستبد بها أحدهما دون صاحبه كالشريكين، والله الموفق المعين.

.مسألة باع سلعة فقال البائع بعتك وأنا بالخيار ولست أنت بالخيار:

من سماع أبي زيد بن أبي الغمر من ابن القاسم قال أبو زيد: قال ابن القاسم في رجل باع سلعة فقال البائع: بعتك وأنا بالخيار ولست أنت بالخيار، وقال المشتري اشتريت منك بالخيار ولست أنت بالخيار، قال: ينتقض البيع، ولا أقبل دعوى البائع ولا المشتري.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة مضت متكررة في سماع أبي زيد من كتاب الخيار، ومضى في سماع أصبغ منه خلاف ذلك، وقد مضى من القول عليها هنالك ما فيه شفاء، فلا معنى لإعادته.

.مسألة الفقع في القمح:

ولا بأس بالفقع في القمح.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة أيضا تكررت في سماع أبي زيد من كتاب الخيار، ومضى القول عليها هناك فلا معنى لإعادته.

.مسألة بيع كبش بشاة حلوب إلى أجل أو غير حلوب:

وسئل عن كبش بشاة حلوب إلى أجل أو غير حلوب فقال: لا خير فيه.
قال محمد بن رشد: قوله بشاة حلوب إلى أجل أو غير حلوب يريد حلوب غير غزيرة اللبن، فهو صحيح على ما في المدونة من أن الغنم كلها صنف واحد كبارها وصغارها وذكورها وإناثها ضأنها ومعزها إلا أن تكون غنما غزيرة اللبن موصوفة بالكرم فلا بأس أن تسلم حواشي الغنم، وقال ابن القاسم في العشرة: إن غزر اللبن وكثرته إنما يراعى في المعز لا في الضأن، ومثله في الواضحة لابن حبيب، وروى ابن وهب عن مالك أنه لا يستلم كبار الضأن في صغارها، ولا بأس بتسليم كبارها في صغار المعز، ولم يأخذ ابن وهب بقول مالك فأجاز تسليم كبش في خروفين.

.مسألة باع من رجل كلبا ولم ينتقد ثمنه حتى هلك الكلب في يد المشتري:

وسئل عن رجل باع من رجل كلبا ولم ينتقد ثمنه حتى هلك الكلب في يد المشتري؟ قال مصيبته من البائع.
قال محمد بن رشد: رأى مصيبة الكلب من البائع وإن هلك في يد المشتري فجعله باقيا على ملك البائع لما كان بيعه لا يجوز، فعلى هذا لو أدرك الكلب بيد المشتري ففسخ البيع فيه لوجب أن يرجع البائع على المبتاع بقيمة ما انتفع به إذ لم يكن ضمانه منه، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الخراج بالضمان» وهذا على قياس ما مضى في رسم نقدها من سماع عيسى في المسلم يشتري الخنزير من المسلم أن الثمن يرد إلى المشتري ويقتل الخنزير لأن الظاهر من قوله أنه يقتل على البائع وإن كان قد قبضه المشتري، وقد قيل: إنه يقتل على المشتري إن كان قد قبضه، فعلى هذا يكون على المشتري في الكلب إذ هلك عنده قيمته كما لو قتله، والأول هو المعروف أن مصيبته من البائع وإن قبضه المبتاع كالزبل وجلود الميتة وما أشبه ذلك مما لا يجوز بيعه ويجوز الانتفاع به بخلاف ما لا يجوز بيعه لغرره، وقد قيل: إن ما لا يجوز بيعه لغرره فمصيبته من البائع وإن قبضه المبتاع، والمعروف المشهور من هذا أن المشتري ضامن له بالقبض، وهذا في الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه باتفاق، وفي الذي أذن في اتخاذه على اختلاف، فقد أجاز بيعه ابن كنانة وسحنون، قال سحنون بعد هذا في هذا السماع: ويحج في ثمنها وأجاز ابن القاسم شراءه للمشتري لحاجته إليه وكره بيعه للبائع، وهو نحو قول أشهب في المدونة في الزبل: المشتري أعذر في شرائه من البائع، وبالله التوفيق.

.مسألة اشترى نصف شقة ولم يسم المشتري أولا ولا آخرا:

وسئل عن رجل اشترى نصف شقة ولم يسم المشتري أولا ولا آخرا ولم يسم البائع حتى قطع الثوب، فقال البائع: لا أعطيك إلا الآخر، وقال المشتري: لا آخذ إلا الأول، قال: يحلف البائع ما كان باع إلا على الآخر ويفسخ البيع ويرد الثوب إلى ربه مقطوعا إلا أن تكون سنة بين التجار أنهم إذا قطعوا إنما يبيعون الأول فيحمل الناس على تلك السنة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة في جوابها حذف سكت عنه اتكالا على فهم السامع والله أعلم، ومراده أن البائع يحلف ما باع إلا على الآخر، ثم يحلف المشتري ما اشترى إلا على الأول، ويفسخ البيع إن حلفا جميعا، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف، وأيمانهما في هذه المسألة على النيات، ويحلف البائع أنه أراد الآخر، ويحلف المشتري أنه أراد الأول لأنهما قد اتفقا على أن البيع وقع مبهما لم يسميا أولا ولا آخرا، ولو ادعيا التسمية لحلف كل واحد منهما على ما يدعي، فإن حلفا جميعا انفسخ البيع، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف، ولا فرق بين أن يدعيا التسمية أو يتفقا على الإبهام إذا ادعى كل واحد منهما أنه أراد غير النصف الذي أراد صاحبه إلا في صفة الأيمان، ولو اتفقا على الإبهام ولم تكن لواحد منهما نية لوجب أن يكونا فيها شريكين يقسم الثوب على القيمة ثم يستهمان عليه. وقد رأيت لابن دحون أنه قال في هذه المسألة: إنها مسألة حائلة لا تجوز إذا أبهما ولم يسميا لأنه بيع مجهول بمنزلة من باع فدانا من أرضه ولم يجزه، وإن ادعى أحدهما أنه سمى جاز ذلك وحلف على ما ادعى، فإن ادعيا جميعا فالقول قول البائع مع يمينه، ولو لم يقطع الشقة وكانا قد أبهما كانا فيها شريكين بمنزلة من اشترى نصف أرض رجل ولم يذكر الناحية.
قال محمد بن رشد: وليس قوله بصحيح لأنهما قد أبهما ولم يسميا فليس ببيع مجهول كما قال، إذ لم ينعقد البيع بينهما على جهل من أجل أن كل واحد منهما ظن أن صاحبه أراد النصف الذي أراد هو، فلم يكن بينهما في العقد غرر، إذ لم يقع شراء المشتري على أن يأخذ أحد النصفين من غير أن يعلم أيهما هو ولا بيع البائع على ذلك، ولو وقع على ذلك كان جهلا وغررا. مثال ذلك أن يقول: أشتري منك أحد النصفين الأول أو الآخر أيهما وقع السهم عليه أو أيهما شئت أن تعطيني أعطيتني. وقوله: وإن ادعى أحدهما أنه سمي جاز ذلك وحلف على ما ادعى مطرد على ما ذهب إليه من أن البيع فاسد إذا أبهما، إذ يقتضي ذلك أن من سمى منهما كان مدعيا للصحة، ومن لم يسم مدعيا للفساد. وأما قوله فإن ادعيا جميعا فالقول قول البائع فلا يصح، إذ الواجب في ذلك أن يحلف واحد منهما لصاحبه فلا يكون بينهما بيع؛ لأن البائع مدع على المبتاع أنه باع منه النصف الثاني ومنكر أن يكون باع منه النصف الأولى، والمبتاع باع على البائع أنه باع منه النصف الأول ومنكر أن يكون اشترى منه النصف الثاني، فإن حلفا جميعا أو نكلا جميعا انفسخ البيع بينهما، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر كان القول قول الحالف، وهذا مما لا إشكال فيه.